زلزال “مازي” يضرب بورصة الدارالبيضاء.. سقوط الأقنعة وانهيار أوهام التعافي!

في وقتٍ خيَّم فيه الصمتُ على المؤشرات واشرأبَّت أعناقُ المتداولين بحثاً عن بريق أمل، هوت بورصة الدار البيضاء في قاع “حذرٍ” أرادت له الجهاتُ الملمَّعة أن يبدو صحياً، بينما الحقيقة العارية تؤكد أننا أمام هزيمةٍ صريحة أربكت حسابات كبار المستثمرين وقزمت أوهام الانتعاش المقنع.

إن الهبوط المدوي لمؤشر “مازي” بنسبة 6.6 في المائة في غضون أيام قليلة، ليمحو في ست جلساتٍ عجاف كل ما تراكم من مكاسب وردية في غشت، يتجاوز وصف “تصحيح مؤقت” كما يحلو للبعض تسويقه؛ إنه صفعةٌ مدوية لكبرياء السوق. لقد أفاقت البورصة على واقعٍ مرير تقوده ارتدادات جيو-سياسية ضاغطة، واكتواءٌ بنار أسعار الطاقة، وصعودٌ متسارع لعوائد سوق السندات؛ تلك العوائد التي كشفت عورة الأسهم وأجبرت الجميع على إعادة تقييم “علاوة المخاطر” والتساؤل بحسرة: لماذا المخاطرة في أرضٍ ملغومة بينما يوفر الدخل الثابت ملاذاً آمناً وبأقل التكاليف؟

وحتى حينما تهللت الوجوه بـ”صحوة الاثنين” وصعود المؤشر بنحو 2.27 في المائة، كان ذلك الارتداد أقرب إلى ذرّ الرماد في العيون وهروبٍ إلى الأمام. كيف لسوقٍ تتغنى بالتعافي أن تتكئ سيولتها المريضة، التي اقتصرت على 195.83 مليون درهم، على ظهر سهمٍ يتيم استحوذ وحده على 60 في المائة من الكعكة؟ لا يمكن وصفها بالسيولة؛ إنها محضُ تجميعٍ انتقائي خائف، وحصرٌ للرهانات في جزرٍ معزولة تُثبت أن الثقة باتت عملة مفقودة، وأن العودة الجماعية للمستثمرين سراب.

إن ما جرى في منحنى العوائد لسوق الدين – بتسجيل ارتفاعات حادة في آجال الخمس والعشر والـ15 سنة – كشف أن تكلفة التمويل باتت خنقاً يهدد الجميع، وأن الهياكل المترهلة للشركات المدرجة باتت عاجزة عن تقديم عائد يغري بالبقاء. وما نزيف قطاع المعادن بنحو 12.2 في المائة أو تهاوي العقار ومواد البناء، إلا دليلٌ قاطع على أن القطاعات الحيوية باتت أول الضحايا، بينما تحتمي البنوك وبعض الأسهم المصنوعة خلف حيطان الصمود الزائف.

دعونا نسمِّ الأشياء بأسمائها: البورصة اليوم لا تقف أمام “إعادة تسعير للمخاطر” وحسب؛ إنها أمام مرآةٍ تكشف هشاشة الهيكل الاقتصادي في مواجهة العواصف الخارجية. وإذا بقيت قاعدة الصعود ضيقة وظلت السيولة أسيرة قبضة أسهم محظوظة معدودة على رؤوس الأصابع، فإن هذا الارتداد سيبقى أشبه بصحوة محتضر، وستظل السوق رهينةً لواقع جديد لا يرحم الضعفاء ولا يغفر للتقييمات المبالغ فيها.

شارك هذه المقالة